الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
107
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
وإضافة سِدْرَةِ إلى الْمُنْتَهى يجوز أن تكون إضافة بيانية . ويجوز كونها لتعريف السدرة بمكان ينتهي إليه لا يتجاوزه أحد لأن ما وراءه لا تطيقه المخلوقات . والسدرة : واحدة السدر وهو شجر النبق قالوا : ويختص بثلاثة أوصاف : ظل مديد ، وطعم لذيذ ، ورائحة ذكية ، فجعلت السدرة مثلا لذلك المكان كما جعلت النخلة مثلا للمؤمن . وفي قوله : ما يَغْشى إبهام للتفخيم الإجمالي وأنه تضيق عنه عبارات الوصف في اللغة . وجنة المأوى : الجنة المعروفة بأنها مأوى المتقين فإن الجنة منتهى مراتب ارتقاء الأرواح الزكية . وفي حديث الإسراء بعد ذكر سدرة المنتهى « ثم أدخلت الجنة » . وقوله : إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى ظرف مستقر في موضع الحال من سِدْرَةِ الْمُنْتَهى أريد به التنويه بما حفّ بهذا المكان المسمى سدرة المنتهى من الجلال والجمال . وفي حديث الإسراء « حتى انتهى بي إلى سدرة المنتهى وغشيها ألوان لا أدري ما هي » و في رواية « غشيها نور من اللّه ما يستطيع أحد أن ينظر إليها » ، وما حصل فيه للنبي صلى اللّه عليه وسلم من التشريف بتلقّي الوحي مباشرة من اللّه دون واسطة الملك ففي حديث الإسراء « حتى ظهرت بمستوى أسمع فيه صريف الأقلام ففرض اللّه على أمتي خمسين صلاة » الحديث . وجملة ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى معترضة وهي في معنى جملة وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى إلى آخرها ، أي رأى جبريل رؤية لا خطأ فيها ولا زيادة على ما وصف ، أي لا مبالغة . والزيغ : الميل عن القصد ، أي ما مال بصره إلى مرئي آخر غير ما ذكر ، والطغيان : تجاوز الحد . وجملة لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى تذييل ، أي رأى آيات غير سدرة المنتهى ، وجنة المأوى ، وما غشى السدرة من البهجة والجلال ، رأى من آيات اللّه الكبرى . والآيات : دلائل عظمة اللّه تعالى التي تزيد الرسول ارتفاعا . [ 19 - 23 ] [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 19 إلى 23 ] أَ فَرَأَيْتُمُ اللاَّتَ وَالْعُزَّى ( 19 ) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى ( 20 ) أَ لَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى ( 21 ) تِلْكَ إِذاً قِسْمَةٌ ضِيزى ( 22 ) إِنْ هِيَ إِلاَّ أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلاَّ الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى ( 23 )